السيد محمد بيرم الخامس التونسي
246
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
أيضا ، وكذلك العائلة السادسة وغيرها إلى الثانية عشر كلهم متفرقون على جهات من مصر ، إلى أن قهر الجميع تحت حكم فرعون أوسيرطاسن : أو سيزوستريس ، ثالث ملوك العائلة الثانية عشر ، وضم إلى ممالكه بلاد الحبشة وغيرها من السودان وانقرضت عائلته بعده بقليل ، وغاية ما يعلم أنه تداول مصر بعد ذلك عائلتان وهما الثالثة عشر والرابعة عشر ، وكان حوادثهما ليست مهمة فلم يوجد لهما وقائع شهيرة . وأما الخامسة عشر والسادسة عشر فلهما أخبار من جهة قوة الملك والترقي في الصنائع والمعارف ، وفي آخر الأخيرة ابتدأ تسلط الملوك الرعاة على مصر وتم استيلاؤهم على قسم عظيم منها أو عليها كلها ، لكن بقي للأهليين جهة من أعالي الصعيد ملكوا عليها العائلة السابعة عشر من الفراعنة ولم يكن لها أهمية في جنب مملكة الرعاة ، وهؤلاء الرعاة يغلب على ظن محققي المؤرخين أنهم من العرب اجتازوا إلى مصر وبقوا فيها مدة طويلة ، ذوي شأن وسلطان مهيب قوي وقال بعض الأخباريين أن دخول يوسف إلى مصر كان في دولة هؤلاء الرعاة ، ولما قضي على تلك الدولة بالإنقراض كان الذي باشر قهرها فرعون « أموسيس » وانتشأت العائلة الثامنة عشر ولها عدة آثار باقية إلى الآن من المباني والصور الدالة على قوة الملك والتمدن كالمسلتين الموجودتين بالإسكندرية والقسطنطينية وكذلك الموجودة برومه ، وقال بعض المؤرخين : أن دخول يوسف عليه السلام إنما كان في هاته الدولة ويستدل من الآثار أن عبادة الأصنام تفاحشت في مدة تلك العائلة ، ثم استولت العائلة التاسعة عشر من الفراعنة وكان منها فرعون « سيزوستريس » المشهور عند اليونان بذلك الاسم ، وامتدت مملكته من نهر الطونة في أوروبا إلى نهر الكنك في الهند ، وأنشأ في كل مملكة افتتحها آثارا تدل عليه ، وارتقت مصر في مدته إلى غاية كبرى من المعارف والغنى ، حتى قيل إنه أول من رسم خريطة لصورة ممالكه الواسعة ، وزادت ارتقاء وفخرا وانتهت في معارف الطبيعيات والهندسة والسحر في مدة حفيده فرعون زمن موسى عليه السلام حتى ادعى بملكه ومعارفه الألوهية ، وكان من قصته ما هو مذكور في القرآن العظيم « 1 » ، ومن غريب ما يستحق الذكر أن مؤرخي مصر القدماء لم يذكروا حادثة غرق فرعون ونجاة موسى عليه السلام ببني إسرائيل بانفلاق البحر ، مع أنها حادثة كبرى وبناء على إهمالها أنكرها من لا دين له من متمشد في هذا العصر ، وأضافوا إلى ذلك في الإستدلال أن قبر فرعون المذكور واسمه منفطا الثاني موجود بين قبور الفراعنة في الصعيد بالمكار المعروف بباب الملوك ، فلو كان غرق لما كان له قبر وأجاب عن هذا بعض النصارى : بأن وجود القبر لا يدل على وجود المقبور ، كما أن وجوده يمكن أن يكون قبل موت فرعون على عادة أسلافه من إحضار قبورهم مضخمة مزخرفة وهو قد هيأ ذلك وإن لم يدفن فيه ، ويحتمل أن يكون إيجاد القبر تعصبا من المصريين ، وعنادا في إخفاء الأمر الذي أحاط بهم دفعا للعار عنهم
--> ( 1 ) راجع القصة المذكورة في سورة القصص .